فصل: تفسير الآيات (168- 171):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (168- 171):

{وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)}.
التفسير:
من عقاب اللّه- سبحانه- لليهود الذين مسخهم قردة، إذ قال لهم:
{كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ} فكانوا- أن قطّعهم في الأرض أمما، حيث لا يحتويهم مكان واحد، ولا يشتمل عليهم وطن واحد، كبقية الأمم والشعوب، وإنما هم مبعثرون في الأرض، شأن القرود التي يجدها الناس حيث كانوا، في شرق الأرض وغربها..!
وهذا التقطيع هو حكم من أحكام اللّه فيهم.
{مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ} أي منهم من كان في هذا الخلق الجديد- خلق القردة- مستقيما مع خلقته تلك، أو منحرفا عنها، كما هو الشأن في كل صنف من أصناف الخلق.. فيه السليم، وفيه المنحرف الشرس.
{وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ} أي ومنهم من ليس صالحا حتى في مسلاخه الجديد، الذي لبسه.. مسلاخ القردة! {وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
أي أن اللّه سبحانه وتعالى قد ابتلاهم بالخير والشرّ، وأذاقهم الحلو والمرّ، ليروا العافية بعد البلاء، والبلاء بعد العافية، لعلّهم يذكرون اللّه، ويرجعون إليه.
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ}.
خلف: أي جاء من بعد السّلف خلف.
والخلف السيء من الخلف، والرذل الرديء من الذريّة.
والكتاب الذي ورثه هؤلاء الخلف، هو التوراة، ومعنى ميراثهم له أخذهم به، وجعله شريعة لهم، كما هو شريعة لآبائهم.
{يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا}.
أي أنهم يأخذون الخبيث الحرام من متاع هذه الحياة الدنيا، متأوّلين ذلك بأن اللّه سيغفر لهم ما وقعوا فيه من حرام، وقد زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فجعلوا لهم إلى اللّه نسبا، إذ قالوا ما قال القرآن على لسانهم: {نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [20: المائدة].
وبهذا النسب الذي ادّعوه- كذبا وبهتانا- استباحوا كل حرام، وركبوا كل منكر، واللّه سبحانه وتعالى يقول فيهم: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ} [24: آل عمران].
والعرض: المتاع الزائل.. و{الْأَدْنى} الخسيس من المتاع.. والإشارة إلى هذا المتاع الذي أخذوه.
{وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} أي أنهم يستمرئون الخبيث، ويجعلونه الطعام الدائم لهم، والحياة التي يحيون عليها.
فهم يدخلون إلى الحرام أولا بهذا الشعور الخبيث، وهو أنهم لا يتناولون منه إلا هذا القليل، وفى تلك المرّة.. ثم إذا هم- مع الزمن- قد جعلوا هذا الخبيث أصلا، لا يستسيغون غيره.
{أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}.
فالميثاق الذي أخذه اللّه على أتباع شريعته هو أأن يحفظوها، وألا يبدّلوا وجهها، ويحرفوا كلماتها.
وقد حرّف هؤلاء القوم كلمات اللّه، وبدلوا شريعته، فاستحلّوا ما حرّم اللّه، وقالوا: {سَيُغْفَرُ لَنا}.
{وَدَرَسُوا ما فِيهِ} أي درسوا ما في هذا الكتاب، وعرفوا ما جاء فيه من حرام وحلال.
{وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} حرمات اللّه.. ولكن القوم لا يتقون اللّه، ولا يعملون للدار الآخرة حسابا.
{أَفَلا تَعْقِلُونَ} انتقال من الغيبة إلى الخطاب والمواجهة، ليلتفت هؤلاء الغافلون إلى ما هم فيه من ضلال وعمى.
{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}.
فهذا حكم اللّه فيمن يرعون عهده، ويحفظون شريعته، ويتمسّكون بكتابه.. إنهم محسنون، واللّه لا يضيع أجر المحسنين، فقد عملوا وأحسنوا، وعند اللّه حسن الجزاء لمن عمل وأحسن.
وقد سمّى اللّه سبحانه الجزاء أجرا، فضلا منه وكرما، حتى لكأن العامل في مجال الخير، وهو يعمل لنفسه، إنما يعمل للّه، وعن هذا العمل يستحق الأجر من ربّه.. فسبحانه من ربّ كريم.
{وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ}.
وهذا من نعم اللّه التي يبتلى بها عباده، وقد ابتلى اللّه هؤلاء القوم بأن جعل لهم من الجبل وقاية من الشمس، والمطر، والعواصف، وغيرها، فهو سكن لم يعملوا له، ولم يجهدوا أنفسهم فيه، بل أقامه اللّه لهم.. لقد نتقه اللّه فوقهم، أي شقّه، ورفعه.
ومن قدرة اللّه أن رفع هذا الجبل فوقهم كأنه سقف، ولكن بغير عمد، حتى لقد ظنّوا أنه واقع بهم.
وفى قوله تعالى: {واقِعٌ بِهِمْ} إشارة إلى شعور الخوف الذي كان مستوليا عليهم أول الأمر من هذا الجبل الذي قام فوقهم، وأنه إذا وقع لم يقع عليهم وحسب، بل إنه سيحملهم معه، ويهوى بهم إلى الأرض.
{خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
وهذه دعوة من اللّه إلى هؤلاء القوم، حين نتق اللّه بهم الجبل، ووضعهم أمام هذه الآية المتحدية.. فليؤمنوا باللّه، وليأخذوا هذا الكتاب الذي في أيديهم بقوة، أي يمسكوا به، ويشدّوا أيديهم عليه، وألا يخرجوا عنه، ويترخّصوا في أحكامه، ففى هذا داعية لهم إلى أن يكونوا من المتقين.
وإلى هنا تنتهى الآيات التي عرضت قصة موسى، وقومه.. وهى- فيما نقدّر- أول ما ذكر القرآن عن بنى إسرائيل، في سوره المكيّة.
ثم جاءت بعد ذلك موارد أخرى لهذه القصة في كثير من السّور المدنية، تحدّث عن موسى، وفرعون، وعن السحرة وإيمانهم، وعن فرعون وغرقه، وعن نجاة بنى إسرائيل من يد فرعون، وما كان منهم من مكر بآيات اللّه، وكفر به.. وهذا ما دعا كثيرا من الذين يشنئون الإسلام، أولا يعرفون اللغة العربية وأسرارها، إلى الطعن في كتاب اللّه، وإلى اعتبار هذا التكرار قصورا في الأداء، وعجزا في البيان.
ومن أجل هذا، كان علينا أن نقف وقفة، مع التكرار في القصص القرآنى عامة، ومع قصة موسى خاصة.. وسنرى وجها مشرقا من وجوه المعجزة الكبرى لآيات اللّه، التي سجد أهل الفصاحة والبيان بين يدى إعجازها المبين.
ونرجو أن نحقق هذا في موضع آخر.. إن شاء اللّه.

.تفسير الآيات (172- 174):

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)}.
التفسير:
فى الناس فطرة تدعوهم إلى الإيمان باللّه، حيث يتهدّون بهذه الفطرة إلى التعرّف على اللّه، وإفراده بالألوهية، ولكن هذه الفطرة تتعرض لآفات كثيرة، فيصيبها الفساد والعطب، فتتعطل منها القوى المدركة لآلاء اللّه، القادرة على الاتصال به، فيكون الضلال والتّيه في عوالم الشرك والكفر.
وفى الحديث: {ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجّسانه} فقد خلق اللّه عباده حنفاء، ولكن شياطين الإنس والجنّ دخلوا عليهم بالغواية والضلال، فأغووهم وأضلوهم.. وهذا ما أحبّ أن أفهم عليه قول اللّه تعالى عن إبليس لعنه اللّه {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [117- 119: النساء].
ففى قول إبليس- لعنه اللّه- {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} إشارة إلى أن من دعوته إلى من يستمعون إليه، ويستجيبون له- أن يغيروا فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها، وأن يدخلوا عليها من الأباطيل والضلالات ما يفسدها.
وفى قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا} في هذا إشارة إلى أن اللّه- سبحانه وتعالى- قد أخذ أي أخرج من أبناء آدم، أي من ظهورهم ذريتهم، وأنه- سبحانه- أشهدهم على أنفسهم، وهم في عالم الأرواح- حيث تشعر كل روح بذاتها ووجودها- أليس اللّه سبحانه وتعالى هو ربكم وخالقكم؟ فشهدوا جميعا وقالوا: بلى أنت ربّنا وخالقنا.
واللّه سبحانه وتعالى، يخاطب عالم الخلق جميعا، من حىّ وغير حىّ.
{ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ} [11: فصلت].
فليس بعجيب أن يكون بيننا وبين اللّه- سبحانه- هذا الموقف الذي شهدته أرواحنا، ولم تشهده أجسادنا.. كما شهدته المخلوقات جميعا، من حىّ وغير حىّ.
وهذه الشهادة إقرار سابق بولائنا جميعا للّه، وإيماننا بوحدانيته.
وإن من شأن هذا الإقرار أن يقيم وجوهنا إلى اللّه، بعد أن نلبس هذه الأجساد التي نعيش فيها.. فهذا الإقرار رصيد من الإيمان نستقبل به الحياة، ونتلاقى به على طريق الإيمان مع دعوة العقل الذي أوجده اللّه فينا، ومع دعوة الرسل الذين أرسلهم اللّه إلينا.
ولهذا جاء قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ} أي ليقطع عليكم العذر أن تقولوا يوم القيامة إنا كنّا عن الإيمان باللّه والتعرف عليه غافلين، فذلك عذر غير مقبول.. إذ كيف تغفلون وفيكم داع يدعوكم إلى الإيمان باللّه، وهى تلك الفطرة التي أشهدها اللّه عليكم.
{أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}.
وهذا العذر أيضا غير مقبول منكم، فلا يحمل عنكم تبعة شرككم باللّه شرك آبائكم من قبلكم، إذ كنتم ومعكم فطرتكم، وكنتم ومعكم عقولكم، ثم كنتم ومعكم دعوة الرسل الذين يدعونكم إلى اللّه! فإذا أهلككم اللّه فإنما يهلككم بأفعالكم لا بأفعال آبائكم.
{وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
أي بمثل هذا التفصيل، وذلك البيان المبين، يفصّل اللّه الآيات، ويبينها للناس، ويكشف لهم عن ذخائر الإيمان المطموسة في كيانهم، والتي أهملوها، وغفلوا عنها، وذلك لعلّهم يرجعون إلى أنفسهم، ويحسنون الانتفاع بتلك القوى التي أودعها اللّه فيهم، فيكون لهم إلى اللّه عودة من قريب، إذا هم خرجوا عن جادّة الطريق، وحادوا عن الصراط المستقيم.

.تفسير الآيات (175- 179):

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179)}.
التفسير:
فى هذه الآيات: أمور يسأل عنها:
فأولا: من هو هذا الذي آتاه اللّه آياته؟ وما هي تلك الآيات؟ وكيف كان انسلاخه منها؟
وثانيا: ماذا يتلو الرسول من أخبار هذا الإنسان؟
وثالثا: على من يتلو الرسول هذه الأخبار؟
والجواب- واللّه أعلم-: أن الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه كان يعرف هذا الإنسان، ويعرف إشارة القرآن إليه، كما كانت قريش تعرفه، وكما كان هو يعرف نفسه، وأنه المقصود بهذا الحديث.. ومعنى هذا أنه من كفار قريش ومن رءوسهم البارزة، التي كانت تقف في وجه الدعوة الإسلامية، وتكيد للنبىّ، وتؤذيه في نفسه، وفى أصحابه.
وأقرب رجل يدعى هنا ليكون بهذا المكان الذي يطلع منه على الناس، فيرون فيه ما يقصّه الرسول عليهم من حاله تلك التي رسمها القرآن الكريم له- أقرب رجل يدعى هنا، هو الوليد بن المغيرة الذي انتدبته قريش ليلقى محمدا، وليكون سفيرها عنده، وليقول له كلمتها إليه، وليبلغه وعدها له بالملك والمال، وما أحبّ مما يطلب من جاه، ومال وسلطان.
فإن لم يستجب محمد لهذا، فليسمع وعيدها، ونصبها الحرب له، ولأهله الأدنين، ولكل من اتصل به.
وقد جاء الوليد إلى النبيّ، وعرض عليه ما عرض من وعود، فرفضها، لأنه- صلوات اللّه وسلامه عليه- ما بعثه اللّه ملكا على الناس، وإنما بعثه هدى ورحمة للعالمين، لا يسألهم أجرا عمّا يقدم إليهم من هدى ونور.. ثم عرض على النبيّ وعيده، وما تتهدّده به قريش من ضرّ وبلاء، فما وجد عند النبيّ إلا ثباتا على موقفه، وإلا رضى وصبرا على ما يلقى في سبيل رسالة ربّه.. حتى يحكم اللّه بينه وبين قومه، وهو خير الحاكمين.
ثم دعاه النبي صلوات اللّه وسلامه عليه أن يسمع منه، كما سمع هو منه.
ثم تلا عليه الآيات الأولى من سورة فصلت.
فلما سمع الوليد ما سمع من كلمات اللّه استخزى، ثم خنع، ثم خشع وضرع.. وركبته حال لا يدرى معها ماذا يقول في هذا الكلام الذي لم يقع لأذنه كلام مثله، في جلاله، وبهائه، وامتلاكه زمام المشاعر، واستيلائه على مجامع القلوب.
وقام الوليد متخاذلا، منكسرا... لم يقل شيئا.
ومضى يجرّ شخصه جرّا إلى القوم، الذين كانوا ينظرون إليه من بعيد، ويرقبون ما يقع بينه وبين محمد.
وما كادوا يلمحونه، وقد اقترب منهم، حتى رأوا منه إنسانا غير هذا الذي خرج من بينهم آنفا.. لقد خرج متعاليا شامخا.. ثم ها هو ذا يعود إليهم حطام رجل، أو شبح إنسان.. وهنا يقول قائلهم: لقد جاءكم الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به!.
وأقبل الوليد على القوم، وكلهم أذن له، وعين على شفتيه، انتظارا لما يقول!.
وجلس الوليد في مكانه الذي أفسحه له القوم، وهو شارد، مذهول، لا يدرى من هو؟ ولا أين هو؟ ولا مع من هو؟ حتى دعاه داعيهم أن يأتيهم بما عنده من خبر محمد، وما ذا وقع بينهما من حديث.
وهمهم الوليد ولم ينطق، والأصوات من حوله تهتف به: ما شأنك؟
وما ذا عندك؟.
وصحا الوليد ودار بعينيه يتفرس وجوه القوم، وكأنه يراهم لأول مرة، وإذا وجوه منكرة، تطل من شخوص أعماها الجهل، واستولى عليها الضلال، وركبها الشيطان.. وود الوليد لو أن به قوّة.. إذن للطم هذه الوجوه المنكرة، وحطّم تلك الرءوس الفارغة.. ولكن أنّى له القوّة، وقد تهدّم بناؤه المشمخرّ، وهربت عزيمته المتوثبة؟.
ولم يكن بد أن يتكلم الوليد ليزيح عن نفسه هذا الهمّ الذي يعالجه، ولينفث عن صدره هذه المشاعر المضطربة، فقال: وماذا أقول؟ واللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر منّى، لا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا.. وو اللّه إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى.
وصعق القوم لما سمعوا.. وهالهم أن ينفرط عقدهم، ويتبدّد جمعهم، إذا خرج الوليد من بينهم، ولم يأخذ مكانه في المعركة التي نصبوها لمحمد ودعوته.
وقد رأوا أن يلاينوا الوليد ويلاطفوه، حتى لا يمضى في طريق غير طريقهم، بعد أن سحره محمد بقرآنه، كما يقولون! فمن قائل لقد سحرك محمد! ومن قائل: لقد أخطأنا إذ جعلناه ينفرد بك، وينفث سمومه فيك! ومن قائل.. ومن قائل... والوليد صامت واجم لا ينطق بكلمة.
وخشى القوم أن ينفضّ مجلسهم على تلك الحال، وأن يسمع الناس ما حدث، وأن تتناقل القبائل ما قال الوليد في محمد.. وفى ذلك بلاء لا تحتمله قريش، ولا تصبر عليه... فأبوا أن ينحلّ مجلس القوم حتى يقول الوليد في محمد قولا ترضاه قريش، ويشيع أمره في الناس، إذ يكون قوله الذي يقوله هنا في محمد، قد جاء عن احتكاك به، واختبار له! فقال الوليد: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يحمق؟ وتقولون إنه كاهن.. فهل رأيتموه قط يتكّهن؟ وتزعمون أنه شاعر.. فهل رأيتموه يتعاطى الشعر؟ وتزعمون أنه كذاب.. فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟
فقالوا في كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر؟ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله، ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن سحرة بابل!!.
ورضيت قريش بما أخذت من الوليد، ومضى الوليد محموما إلى بيته، محمولا على رجلين لا تكاد ان تمسكان به.. ويغلق عليه بابه، ويخلو بنفسه ليلا طويلا مسهّدا، لا تغمض له عين.
وما تكاد تطلع الشمس، وتأخذ مسيرتها إلى الضحى، حتى يجيء إلى الوليد من بطرق على بابه في طرقات صارخة، كأنها النذير العريان.
ويدخل الطارق، ويلقاه الوليد مستنبئا.. فيقول له: اجلس أسمعك:
ويجلس الوليد، فيسمع: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ} [11- 30: سورة المدّثّر]- ما هذا؟ يا هذا؟
يقولها الوليد مبهور الأنفاس، مختنق الصوت، ينتفض انتفاض الغصن تحت وابل منهمر!- إنه الذي يتحدث به محمد، ويتصايح به أصحابه، ويتغنّى به الصبيان في طرقات مكة وشعابها.. من قرآن محمد!- أوقد فعلها محمد؟ أو أنا الذي من بين قريش كلّها الذي يجعلنى محمد هزأة وسخرية على الملأ؟ واللّه لأفعلنّ به ولأفعلنّ!! ويظل هكذا يهذى هذيان المحموم، ترتعد فرائصه، وتختلج قدماه، ثم ينعقد لسانه، وتسكن حركته، فلا يلقى قريشا ولا قريشا تلقاه في مجلس بعدها أبدا..!
وقد ذكرنا هذه القصة، لنقول: إنّ الوليد بن المغيرة هو المشار إليه في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ}.
وهذا القول لم نجد أحدا من المفسّرين قال به، أو أشار إليه.. بل لقد تضاربت بهم مذاهب القول، فمن قائل: إنه بلعم بن باعوراء من الكنعانيين، وقيل إنه من بنى إسرائيل، ومن قائل إنه: أمية بن الصلت، ومن قائل: إنه النعمان بن صيفى الراهب.
ولا نرى قولا من هذه الأقوال يعطى مفهوما للآية من قريب أو بعيد.
ولولا أننا استشعرنا أن القرآن لا يقول مخاطبا النبي: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا} إلا إذا كانت هناك قصة يتلوها النبيّ عليهم في شأن هذا الرجل، فإن لم تكن هناك قصة يذكرها القرآن عن هذا الرجل في هذا الموقف فلابد أن تكون هناك قصة مذكورة مشهورة في موضع آخر، يعلمها القوم عن يقين، ولا يحتاج الأمر إلى ذكرها مرة أخرى- لولا أننا استشعرنا هذا لما كان لنا قول نقوله في رجل هذه القصة.
ثم إذا نظرنا في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها} وفى قوله تعالى عن الوليد بن المغيرة: {إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً} ثم ذكرنا مع هذا ما كان للآيات التي تلاها الرسول الكريم عليه، وأثرها فيه، واستيلاءها على كيانه، ثم نكوصه عنها بعد ذلك، وانسلاخه منها بعد أن لبسها-
إذا نحن ذكرنا ذلك، رأينا أن هذا الرجل هو ذلك الإنسان عينه، بلحمه ودمه، وبكل مشخصاته، في جميع أحواله.
ومعنى قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها} أي اتل عليهم ما نقص عليك من خبر هذا الإنسان الذي أسمعناه آياتنا، فعرف وجه الحق فيها، واطلع على علو متنزلها، وأنها من اللّه ربّ العالمين.. فآمن بها، وسجد بين يديها، ولكن التوفيق لم يكن رفيقه، إذ سرعان ما نكص على عقبيه، وأسلم نفسه لشياطين قومه، فاستجاب لما دعوه إليه، وانسلخ من آيات اللّه بعد أن كانت مستولية عليه.. {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ} أي جرى وراءه، يوسوس له بالضلال، ويزيّن له الباطل، ويغويه بالكفر.. {فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ}.
{وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها} أي ما أراد اللّه له الخير، وما شاء سبحانه أنه يتمّ نعمته عليه، لأن طبعه نكد، وقلبه سقيم.. {ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه}.
أي لصق بالأرض، ونزل منزل الحشرات والهوام فيها، ولم يرد أن يسمو بنفسه، ويرتفع بوجوده ويعلو بإنسانيته.. ولو أنه فعل لأعانه اللّه على ذلك، وسدّد خطاه، وأمسك به على الطريق المستقيم، الذي وضع قدمه عليه.
فمطلوب من الإنسان أن تكون له إرادة عاملة، تلتقى مع إرادة اللّه.
فإن أراد خيرا، وعمل له، وتمسك به، أراد له الخير، وأعانه عليه، ووفقه له.
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ} [11: الرعد].
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}.
ذلك هو مثل أهل الزيغ والضلال.. لا يجيء منهم إلا ما هو شر وضلال.. إنهم على تلك الحال دائما.. لو لم يدعهم أحد إلى الضلال لدعواهم أنفسهم إليه.. فحالهم كحال الكلب: يلهث دائما، ويدلق لسانه في كل حال.. سواء أترك لشأنه فلم يعرض له أحد بسوء، أو طارده أحد وأجهده.. إنه كهذا.. يلهث دائما.
فى سكونه واستقراره، أو في جريه وجهده.
والتشبيه للإنسان الضالّ بالكلب، تشبيه يصيب كبد الحقيقة منه.. ظاهرا وباطنا.. فهو كلب في خسار سعيه، وضياع جهده، حيث يرى في صورة الكلب يلهث دائما كأنه موكّل بعمل مثمر.. ولكنه يلهث، ولا عمل، ويعمل ولا ثمرة لعمل..!
{ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا} أي ذلك المثل، هو مثل القوم الذين كذبوا بآيات اللّه، حيث كل ما يعملون إلى تباب وضياع.
والقوم هنا، هم قريش، وخاصة أصحاب الكلمة فيها، كالوليد بن المغيرة، ومن على شاكلته منهم.. ثم من كان على طريق هؤلاء القوم المكذبين بآيات اللّه.
{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ففى هذا القصص عبرة لمن تفكر واعتبر.
وإذ تقرع آذان قريش هذه الآيات، وإذ يشوقهم نبأ هذا الذي آتاه اللّه آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين- وإذ هم على تلك الحال، تتنزل آيات القرآن الكريم بنبإ هذا الإنسان، وإذا هو الوليد بن المغيرة، فيسمعهم الرسول الكريم قول اللّه تعالى فيه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً} الآيات.
والفاصل الزمنى بين قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها} وبين قوله سبحانه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...} الآيات.
هذا الفاصل- طال أو قصر- هو إثارة لأشواق القوم إلى هذه القصة التي لم تقصّ بعد، وتعليق لنفوسهم بها، حتى تطلع عليهم بهذا الإنسان العجيب الذي مثله كمثل الكلب.. إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث.
فمن هو هذا الإنسان يا ترى؟ إنه لا شك واحد من زعماء قريش، الذين نصبوا لرسول اللّه، وكادوا له.. قد يكون أبا لهب، أو أبا جهل، أو أبا سفيان أو الوليد بن عتبة، أو الوليد بن المغيرة.. وهكذا إلى من تضم هذه الجماعة من رءوس ورؤساء..!
فإذا كانت حادثة الوليد بن المغيرة، وإذا كان القرآن الذي نزل فيه.
عرفت قريش من رجلها الذي علقت به حبالة محمد، وربطته مربط الكلب على رءوس الأشهاد.. فتهدأ نفوس، وتثور نفوس.. على أن الجميع يجدون شيئا من الرضا إذ لم يصبهم هذا الذي أصاب الوليد بن المغيرة، وجعله حديثا مخزيا يجرى على كل لسان.. وهكذا تأكل قريش بعضها بعضا، كما تأكل الذئاب ذئبها الجريح! {ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ}.
ذلك تعقيب على هذه القصة، وربط لرءوس القوم كلّهم إلى هذا الكلب المربوط.. فكلهم مكذّب بآيات اللّه، وكلهم هذا الرجل العنيد المكابر المشئوم! وساء فعل ذم، عكس نعم، والقوم: هو اللفظ المخصوص بالذم.
{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ}.
وفى نسبة الهداية إلى اللّه تشنيع على القوم الضالين، وكبت لهم، بطردهم من هذا المقام الكريم، وأنهم ليسوا أهلا لأن يهديهم اللّه، بل هم أهل لهذا الضلال الذي أغرقهم اللّه فيه.
{وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}.
الذّرء: الخلق، والزرع.
والمعنى أن اللّه سبحانه وتعالى قد خلق لجهنم خلقا كثيرا من الجنّ والإنس، جعلهم أهلا لها، ووقودا لجحيمها.. هكذا اقتضت إرادته، وشاءت مشيئته.. يخلق ما يشاء لما يشاء.
وفى الحديث عن عائشة رضى اللّه عنها قالت: أدرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جنازة صبىّ من صبيان الأنصار، فقلت: يا رسول اللّه: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة!! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «وما يدريك؟ إن اللّه تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم»! وهؤلاء الذين خلقهم اللّه للنار:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها}.
فهم في صورة الناس، ولكنهم ليسوا مثل الناس.. إذ جعل اللّه لهم قلوبا لا تعقل، وأعينا لا تبصر، وآذانا لا تسمع.. فإن عقلت منهم القلوب عقلت الشرّ والضلال، وإن أبصرت منهم الأعين فإنها لا تبصر مواقع النور والهدى، وإن سمعت الآذان فإنها لا تسمع كلمات الحق والهدى {أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ}.
لها قلوب، ولها أعين، ولها آذان.. ولكنها لا تكون بهذه الأدوات كائنا بشريا، سوىّ الخلق، سليم الفطرة.. {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} من هذه الأنعام، إذ الأنعام تستعمل هذه الأدوات فيما يصلح أمرها، ويحقق ذاتها، ويحفظ وجودها، وهؤلاء لا يستعملون هذه الأجهزة إلا فيما يضرهم، ويفسد وجودهم {أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ} الذين يسوقهم ضلالهم إلى الهلاك، وهم غير ملتفتين إلى هذا البلاء الذي هم صائرون إليه.